يبدأ البلوغ بتغيرات جسدية تخضع لسيطرة محور تحت المهاد – الغدة النخامية – الغدد التناسلية، حيث يزداد نشاطها مع بداية البلوغ. في هذا المقال سنتحدث عن دور وسائل الإعلام في البلوغ المبكر.
العمر الطبيعي للبلوغ لدى الأطفال والمراهقين معروف تقريبًا؛ إذ تظهر علامات البلوغ عند الفتيات عادة بين سن 8 إلى 13 سنة، وعند الأولاد بين 9 إلى 14 سنة.
عندما يحدث البلوغ ضمن هذا الإطار الزمني، يحصل العقل والجسم على فرصة مناسبة للنمو والتطور بشكل صحي. لكن عندما يُدفع الجسم نحو البلوغ قبل أن يكون مستعدًا لذلك، يحدث ما يسمى بالبلوغ المبكر.
البلوغ المبكر يعني ظهور الصفات الجنسية الثانوية قبل الوقت المتوقع؛ أي قبل سن 8 سنوات لدى الفتيات وقبل سن 9 سنوات لدى الأولاد، ويحدث ذلك مع ظهور علامات البلوغ من الناحية الجسدية والهرمونية، وقد يؤثر سلبًا في الصحة النفسية والنضج العاطفي للطفل.
العوامل المؤثرة في البلوغ المبكر
تشير الدراسات إلى أن هناك عوامل متعددة قد تؤدي إلى البلوغ المبكر، منها:
• العوامل الوراثية. • السمنة.
• الأضرار البنيوية في الدماغ والجهاز العصبي المركزي.
• مشكلات المبايض والغدة الدرقية مثل الأورام.
• العوامل البيئية والكيميائية والثقافية.
• استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
الدور المحوري لوسائل الإعلام في البلوغ المبكر
تلعب وسائل الإعلام دورًا محوريًا وأساسيًا في حدوث البلوغ المبكر. فقد أظهرت الأبحاث أن الأطفال الذين يملكون وصولًا غير محدود إلى الشبكات الاجتماعية والتلفاز والقنوات الفضائية وغيرها، ويقضون وقتًا طويلًا فيها دون استخدام صحيح، يكونون أكثر عرضة للبلوغ المبكر.
كما تشير الدراسات إلى أن تعرض الطفل أو المراهق في الفضاء الإلكتروني لكم هائل من الصور ومقاطع الفيديو غير المناسبة لعمره يؤدي إلى تحفيز الجهاز العصبي والغدد والهرمونات الجنسية. ورغم أن الطفل قد لا يكون بلغ بعد، فإن مشاهدة هذه المواد تخلق صورًا ذهنية لديه، والتفكير المتكرر فيها يؤدي إلى زيادة نشاط الغدد الجنسية وتسارع نضجها، مما قد يسبب البلوغ المبكر.
في الماضي كان الأطفال يميلون إلى الألعاب التي تعتمد على الحركة والنشاط البدني، والتي كانت تُعد نوعًا من الرياضة. أما اليوم فقد حلّت الألعاب الإلكترونية، وتصفح الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي محل تلك الأنشطة، وهي غالبًا تفتقر إلى الحركة الضرورية لنمو الأطفال.
هذا النقص في النشاط البدني، خاصة لدى الفتيات، قد يؤدي إلى زيادة الوزن وتراكم الدهون. ومع زيادة الدهون في الجسم، تطلق الخلايا الدهنية بروتينات ترسل إشارات إلى الدماغ بأن الجسم يمتلك مخزونًا كافيًا من الطاقة لبدء البلوغ، مما قد يساهم في حدوث البلوغ المبكر.
مخاطر البلوغ المبكر عند الأطفال
يترك البلوغ المبكر آثارًا جسدية وعاطفية واجتماعية متعددة. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الفتيات اللواتي يعانين من البلوغ المبكر يكنّ أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية والسلوكيات الخطرة.
هناك مراهقون ينضجون جسديًا بسرعة، لكنهم ما زالوا عاطفيًا في مستوى أعمارهم الحقيقية. وهذا يشكل عبئًا نفسيًا قد يؤدي إلى القلق والاكتئاب واضطرابات السلوك.
كما أن البلوغ المبكر مقارنة بالأقران قد يؤثر سلبًا على الثقة بالنفس وتقدير الذات، خاصة لدى الفتيات، وقد يرتبط بضعف الأداء الدراسي.
وعندما يحدث البلوغ الجسدي قبل اكتمال النضج العقلي والمعرفي، تظهر التغيرات الجسدية بينما لا يكون الطفل قد اكتسب بعد القدرة الكافية على التمييز والحكم السليم، مما يجعله أكثر عرضة للخداع أو الاستغلال، خصوصًا عبر الفضاء الإلكتروني.
كيفية التحكم في تأثير وسائل الإعلام
يعتقد بعض الآباء أن الحل الأفضل لمنع البلوغ المبكر هو حرمان الأطفال تمامًا من وسائل الإعلام والفضاء الإلكتروني، لكن هذا الأسلوب قد يدفع الأطفال إلى إخفاء سلوكياتهم ويؤدي إلى نتائج أسوأ.
من المهم إدراك أن وسائل الإعلام أصبحت جزءًا من الحياة الحديثة، لذلك فإن حذفها بالكامل ليس عمليًا ولا صحيحًا. الأهم هو إدارة استخدامها والإشراف عليها، وتقديم معلومات صحيحة ومناسبة للأطفال حول الاستخدام الآمن لهذه الوسائل.
يمكن للوالدين من خلال بناء علاقة ودية مع أبنائهم، ومتابعة المحتوى الذي يشاهدونه، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية، الاتفاق معهم على طريقة ومدة استخدام الوسائل الإعلامية المختلفة. كما أن شرح أسباب القيود يساعد الطفل على تنمية التفكير المنطقي.
هذه الإجراءات يمكن أن تقلل بشكل كبير من الأضرار الناتجة عن وسائل الإعلام. كذلك فإن مشاركة الوالدين في الدورات التعليمية المتعلقة بالتربية والتواصل مع الأطفال والتثقيف الإعلامي تساعدهم في إدارة استخدام أبنائهم لوسائل الإعلام وتوجيههم خلال فترة المراهقة.